ابن الأثير
369
الكامل في التاريخ
فلمّا اعتذر إلى نور الدين بذلك لم يقبل عذره ، وألحّ عليه بقطع خطبته ، وألزمه إلزاما لا فسحة له في مخالفته ، وكان على الحقيقة نائب نور الدين ، واتّفق أنّ العاضد مرض هذا الوقت مرضا شديدا ، فلمّا عزم صلاح الدين على قطع خطبته استشار أمراءه ، فمنهم من أشار به ولم يفكر في المصريّين ، ومنهم من خافهم إلّا أنّه ما يمكنه إلّا امتثال أمر نور الدين . وكان قد دخل إلى مصر إنسان أعجميّ يعرف بالأمير العالم ، رأيته أنا بالموصل ، فلمّا رأى ما هم فيه من الإحجام ، وأنّ أحدا لا يتجاسر [ أن ] يخطب للعبّاسيّين قال : أنا أبتدئ بالخطبة لهم ، فلمّا كان أوّل جمعة من المحرّم صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضيء بأمر اللَّه فلم ينكر أحد ذلك ، فلمّا كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا خطبة العاضد ويخطبوا للمستضيء ، ففعلوا ذلك فلم ينتطح فيها عنزان ، وكتب بذلك إلى سائر بلاد مصر ، ففعل . وكان العاضد قد اشتدّ مرضه فلم يعلمه أحد من أهله وأصحابه بقطع الخطبة ، وقالوا : إن عوفي فهو يعلم ، وإن توفّي فلا ينبغي أن نفجعه بمثل هذه الحادثة قبل موته ، فتوفّي يوم عاشوراء ولم يعلم بقطع الخطبة . ولمّا توفّي جلس صلاح الدين للعزاء ، واستولى على قصر الخلافة ، وعلى جميع ما فيه ، فحفظه بهاء الدين قراقوش الّذي كان قد رتّبه قبل موت العاضد ، فحمل الجميع إلى صلاح الدين ، وكان من كثرته يخرج عن الإحصاء ، وفيه من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة ما تخلو الدنيا عن مثله ، ومن الجواهر التي لم توجد عند أحد غيرهم ، فمنه الجبل الياقوت ، وزنه سبعة عشر درهما ، أو سبعة عشر مثقالا ، أنا لا أشكّ ، لأنّني رأيته ووزنته ، واللّؤلؤ الّذي لم يوجد مثله ، ومنه النصاب الزّمرد الّذي طوله أربع أصابع في عرض عقد كبير ، ووجد فيه طبل كان بالقرب من موضع العاضد ، وقد احتاطوا عليه بالحفظ ،